الشيخ محمد رشيد رضا

174

الوحي المحمدي

إلى الهدى ، وعن الباطل إلى الحق ، ويقابله الزّيغ وهو الميل عن الحق إلى الباطل إلخ ، وفطرة اللّه التي فطر النّاس عليها هي الجبلة الإنسانية « 1 » الجامعة بين الحياتين : الجسمانية الحيوانية ، والروحانية الملكية ، والاستعداد لمعرفة عالم الشهادة وعالم الغيب فيهما ، وما أودع فيها ( أي الجبلة ) من غريزة الدين المطلق الذي هو الشعور الوجداني بسلطان غيبى فوق قوى الكون والسّنن والأسباب التي قام بهما نظام كل شئ في العالم ، فرب هذا السلطان هو فاطر السماوات والأرض وما فيهما ، والمصدر الذاتي للنفع والضر المحركين لشعور التعبد الفطري وطلب العرفان الغيبي المودعين في الغريزة . فالعبادة الفطريّة هي التوجه الوجداني إلى هذا الربّ الغيبي في كل ما يعجز الإنسان عنه من نفع يحتاج إليه ويعجز عنه بكسبه ، ودفع ضر يمسه أو يخافه ويرى أنه يعجز عن دفعه بحوله وقوته ، وفي كل ما تشعر فطرته باستعدادها لمعرفته ، والوصول إليه مما لا نهاية له ، وأعنى بالإنسان جنسه فما يعجز عنه المرء بنفسه دون أبناء جنسه فإنه يعده من مقدوره ، ويعد مساعدة غيره له عليه من جنس كسبه ، فطلبه للمساعدة من أمثاله ليس فيها معنى التعبد عند أحد من البشر ؛ فتعظيم الفقير للغنى بوسائل استجدائه وخضوع الضعيف للقوى لاستنجاده واستعدائه على أعدائه وخنوع السوقة « 2 » للملك أو الأمير لخوف منه أو رجائه - لا يسمى شيئا من ذلك عبادة في عرف أمة من الأمم ولا ملة من الملل ، وإنما روح العبادة الفطرية ومخّها هو دعاء ذي السلطان العلوي والقدرة الغيبية التي هي فوق ما يعرفه الإنسان ويعقله في عالم الأسباب ، ولا سيما الدعاء عند العجز وفي الشدائد ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الدّعاء هو العبادة « 3 » » ، هكذا بصيغة الحصر ، أي هو الركن المعنوي الأعظم فيها لأنه روحها المفسر برواية : « الدّعاء مخّ العبادة « 4 » » ، وكلّ تعظيم وتقرب قولي أو عملي لصاحب هذه القدرة والسلطان الغيبي فهو عبادة له « 5 » .

--> ( 1 ) قال في الصباح : الجبلة - بكسرتين وتثقيل اللام - الطبيعة والخليقة والعزيزة بمعنى واحد ، وجبله اللّه على كذا ، وشئ جبلى منسوب إلى الجبلة ، كما يقول : طبيعي أي ذاتي منفعل عن تدبير الجبلة في البدن بصنع بارئها وذلك تقدير العزيز العليم . ( 2 ) السوقة بالضم « كغرفة » غير الملك ، يطلق على الواحد والمثنى والجمع . ( 3 ) رواه أحمد ، وابن أبي شيبة ، والبخاري في الأدب المفرد ، وأصحاب السنن الأربعة ، وغيرهم عن النعمان ابن بشير . ( 4 ) رواه الترمذي عن أنس . ( 5 ) هذا تحقيق لمعنى العبادة أوحد لها كل ما قيل غيره في تعريفها فهو رسم .